ابن أبي الحديد

97

شرح نهج البلاغة

ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إذا اجتمعت كلمتهم . كان يقال : ثلاثة من كن فيه لم يفلح في الحرب : البغي ، قال الله تعالى : " إنما بغيكم على أنفسكم ) ( 1 ) ، والمكر السيئ ، قال سبحانه : ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) ( 2 ) ، والنكث ، قال تعالى : ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) ( 3 ) . * * * يقال : خرجت خارجة بخراسان على قتيبة بن مسلم ، فأهمه ذلك ، فقيل : ما يهمك منهم ! وجه إليهم وكيع بن أبي أسود يكفيك أمرهم ، فقال : لا أوجهه ، وإن وكيعا رجل فيه كبر ، وعنده بغي ، يحقر أعداءه ، ومن كان هكذا قلت مبالاته بخصمه فلم يحترس ، فوجد عدوه فيه غرة ، فأوقع به . وفي بعض كتب الفرس : إن بعض ملوكهم سأل : أي مكايد الحرب أحزم ؟ فقال : إذكاء العيون ، واستطلاع الاخبار ، وإظهار القوة والسرور والغلبة ، وإماتة الفرق ، والاحتراس من البطانة من غير إقصاء لمن ينصح ، ولا انتصاح لمن يغش ، وكتمان السر ، وإعطاء المبلغين على الصدق ، ومعاقبة المتوصلين بالكذب ، وألا تخرج هاربا فتحوجه إلى القتال ، ولا تضيق أمانا على مستأمن ، ولا تدهشنك الغنيمة عن المجاوزة . وفي بعض كتب الهند : ينبغي للعاقل أن يحذر عدوه المحارب له على كل حال ، يرهب منه المواثبة إن قرب ، والغارة إن بعد ، والكمين إن انكشف ، والاستطراد إن ولى ، والمكر إن رآه وحيدا ، وينبغي أن يؤخر القتال ما وجد بدا ، فإن النفقة عليه من الأنفس ، وعلى غيره من المال .

--> ( 1 ) سورة يونس 23 . ( 2 ) سورة فاطر 43 . ( 3 ) سورة الفتح 10 .